علي سفر: استقيلوا أو اعتزلوا لعلكم تنجون

الخميس 7 نيسان/أبريل 2022

يظن البعض أن عليه عدم مغادرة الموقع الذي يعمل فيه. والذي قد يكون منصباً مهماً، أو مجرد مسمى وظيفي. ويرجح المختصون بالإدارة، أن تمسك الشخص بما وصل إليه من ترق مهني، يرجع إلى خوفه من المستقبل المجهول، حيث يتردد اعتقاد راسخ بأن التقاعد يساوي الموت! أو على الأقل الاقتراب منه لحظة.

لهذا، نرى أن ثيمة النضال من أجل الاستمرار في الموقع، حاضرة في الأعمال الدرامية، وحتى الرواية والقصة والمسرح، مع وجود تصور في منطقتنا العربية، يقول إن ما يجري عند مقاومة الموظف الصغير لقرار إحالته إلى التقاعد، يتساوى مع ما يحدث عند اقتراب الرؤساء والقادة من مواعيد تركهم لمناصبهم!

في الغرب حيث يتم تداول السلطة بموجب قوانين راسخة ودساتير مقدسة، يترك السياسيون مناصبهم، حين يظنون أن وقت التمتع بالحياة قد أزف، وهذا ما فعلته المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، في ذروة نجاحها السياسي.

ويتعدى الأمر السياسيين فيصلُ إلى قطاعات أخرى، فقد اعتزل الفنان جيم كاري عالم التمثيل، فور أن وصل إلى سن الستين، حيث قرر منذ أيام التقاعد، مكتفياً بعمله في المهنة لمدة ثلاثين عاماً، أنجز خلالها عشرات الأفلام.

بينما لم تمنح الظروف الصحية مواطنه بروس ويليس الفرصة لأن يختار، إذ اضطر للتوقف بسبب مرض الحبسة، وتراجع قدراته الذهنية. وبالقرب مما حدث مع هذين الممثلين المهمين، ينتظر ويل سميث صاحب كارثة الصفعة في حفل الأوسكار، ما سيتقرر بشأنه، إثر استقالته من أكاديمية فنون الصورة المانحة للجوائز، بالنظر إلى ما ارتكبه من فعل شائن، ويبدو أن الأيام القادمة ستؤدي إلى توقفه إجبارياً عن ممارسة التمثيل، خاصة أن عقوده مع الشركات المنتجة باتت في مهب الريح، بعد أن قامت بعضها بفسخ ما تم التوقيع عليه سابقاً.

يحدث هذا في عالم الفن، وفي أهم بؤره المؤثرة حول العالم، بين العاملين في حرفة تدر على أصحابها المال الوفير، والشهرة الواسعة، والعلاقات الكثيرة، حتى يظن المرء أن النجوم الذين يظهرون على الشاشات يمتلكون من القوة والتأثير ما يجعلهم يُقارنون بأصحاب السلطة الحقيقيين، أي السياسيين ومن يماثلهم في عالمنا.

في الواقع، يشهد عالم السياسة، ولاسيما في منطقتنا تقلبات أخرى مشابهة. إذ لا ينسى اللبنانيون، أنهم ومنذ بداية العام الحالي، يعيشون دون سعد الحريري، الذي قرر اعتزال السياسة، وعدم الترشح للانتخابات.

أما ولي العهد الأردني السابق حمزة بن الحسين، المتهم بحادثة “الفتنة” التي جرت السنة الماضية، في أوساط العائلة المالكة، فقد قرر التخلي عن لقبه الأميري، في بيان أصدره قبل أيام، تحدث فيه عن عدم قدرته على مسايرة الواقع الحالي في بلده، قائلاً: “بعد الذي لمست وشاهدت خلال الأعوام الأخيرة، قد توصلت إلى خلاصة بأن قناعاتي الشخصية والثوابت التي غرسها والدي فيّ، والتي حاولت جاهدا في حياتي التمسك بها، لا تتماشى مع النهج والتوجهات والأساليب الحديثة لمؤسساتنا”.

من الجيد فعلياً أن نشهد في حياتنا مواقف كهذه، يتخلى فيها المرء عن امتيازاته، إما بسبب عجزه عن انجاز وتحقيق أهدافه، وإما بسبب عدم التأقلم، وإما لأسباب أخرى مختلفة، كالإقرار بالهزيمة، وما يستتبع ذلك من ضرورة المحاسبة!

جمال عبد الناصر، أقر بهزيمة النظام الذي ترأسه وقاد مصر ومعها سوريا والأردن إلى خسارة الحرب في 1967، وأعلن تخليه عن منصبه في خطاب شهير، لكن أسلوبه الشعبوي، في ذروته تلك، ولاسيما قوله “لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر”! فُهم من قبل كثيرين على أنه إشارة “الأكشن” العاطفية، أو الاستعطافية، التي جعلت الجمهور المصري يخرج إلى الشوارع، مطالباً إياه بالعودة عن قراره، وهذا ما حصل فعلياً!

طبعاً، ثمة من رأى فيما جرى آنذاك مسرحية متقنة التدبير والإخراج، وهناك من تأثر بما حصل واعتقد أنها لحظة تاريخية، يقترن فيها الوعي الثوري، بصورة البطل الجماهيري الذي يصيب ويخطئ.

كان المخرج الراحل يوسف شاهين من بين الذين تأثروا على هذا الشكل، فصنع من هذه اللحظة مشهداً لافتاً في فيلمه الشهير “العصفور” (1972)، لكنه ومع مرور الوقت، أمسى جزءاً من المكرر المبتذل (كيتش)، لدى فئات واسعة من المثقفين، الذين أحالوا كوارث زمننا الحالي إلى لحظات تاريخية ممتلئة بتزييف هدف إلى تجميل وجه السلطات المستبدة، في لحظات خسارتها، حيث تكشّف الواقع عن تباين هائل بين الواقع والشعارات والأهداف، وسواد سياسات رازحة تقوم على قمع المعارضين وإرهابهم، وتشويه صورتهم! وفي النهاية مات عبد الناصر، ولم يحاسبه أحد على ما فعل، وعلى ما حدث في عهده الطويل.

ليست كل حالات الاعتزال أو الاستقالة مصنوعة على المواصفات الناصرية، بل إن بعضها كان صادقاً في نواياه، وأميناً أمام المؤسسات والشعوب على حد سواء، ومنها قيام المشير الراحل عبد الرحمن سوار الذهب في السودان، بتسليم السلطة لحكومة الصادق المهدي المنتخبة، بعد أن تولاها، في انقلاب عام 1985 الذي أطاح بجعفر النميري، وليتفرغ الرجل معتزلاً السياسة والجيش، للأنشطة التطوعية والدعوية الدينية، حتى وفاته في العام 2018.

من الممكن جداً إذاً، أن يشهد المواطن السوري وكذلك العربي، حصول أشياء عجيبة كهذا الحدث، أي أن يقرر سياسيٌ أو حاكمٌ أو مسؤولٌ التخلي عن كل شيء، والذهاب إلى الاعتزال أو التقاعد السلس.

فالتمسك بالسلطة ليس خاصية دبقة، تلصق بالبشر، بسبب من تكوينهم المشوه، بفعل تراكم القمع والعنف. بل هو أيضاً ناتج عن تقاطع مصالح معقدة، بين مجموعة من القوى الداخلية والخارجية، كمؤسسة الجيش وبعض القوى الأيديولوجية والطائفية والعرقية، وأيضاً الدول الإقليمية والدولية، التي ترى أن وجود فئة دون غيرها تتحكم بهذا البلد أو ذاك يخدم مصلحتها، ويوجب استمرارها، حتى وإن سقت من تحكمهم كأس الحنظل.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

مقالات أخرى للكاتب

سوريا اليوم. أخبار سوريا. أخبار سوريا اليوم. سورية اليوم. أخبار سورية. أخبار سورية اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم سوريا. أخبار اليوم سورية.