وفاء العلوش: سوريون بلا وثائق

الجمعة 10 حزيران/يونيو 2022

تمنح بعض الدول في دساتيرها كل من يولد على أرضها جنسيتها، ويحق له وفقاً لذلك استصدار الأوراق اللازمة لإثبات شخصيته وتمتعه بتلك الجنسية، من الهوية الوطنية وحتى جواز السفر ويصبح مواطناً لا يقل شأناً عن بقية المواطنين بالولادة.

ليس جواز السفر سوى وثيقة رسمية لكن احترامه ينبع من الانتماء الذي يشعر به صاحبه تجاه الدولة التي منحته إياه، ومن شعور الفرد بأن تلك الدولة تمنحه من القيمة وتكن له من الاحترام ما يجعله محترماً في الدول التي يعبرها بموجبه، ولا يعتبر مهماً بحد ذاته بقدر ما يعبر عن قوة وجود الدولة وحضورها السياسي واحترامها لمواطنيها واعتزازهم بها.

تجيز تلك الوثيقة الورقية عبور المواطن بين الحدود المرسومة، الحدود التي فرضها علينا كشعوب أصحاب السلطة، فجعلونا أسرى لها وحبيسين في داخلها رافضين دخولنا أو خروجنا منها بدواعٍ مختلفة.

تمنح الدول عادة مواطنيها جوازات سفرهم من دون تعقيدات وبرسوم رمزية، لأنه وفي فلسفة المواطنة لا يمكن أن يكون للهوية ثمن، فالثمن يوضع للسلع التي تباع وتشترى وهذا ينافي مبدأ الانتماء والوطنية، غير أن هذه القاعدة لا تنطبق على جواز السفر السوري الذي يعد الأغلى عالمياً على الرغم من أنه الأضعف، فهو يحتل حاليًا المرتبة 110 وفقًا لمؤشر جايد Guide لترتيب جوازات السفر ويعد ثالث أدنى مرتبة في العالم.

يتمتع حاملو جواز سفر سوريا بإمكانية السفر من دون تأشيرة أو الحصول على تأشيرة عند الوصول إلى 28 دولة فقط، منها لبنان ودومينيكا ومدغشقر وسيشيل، وسيحتاج حاملو جواز سفر سوريا إلى الحصول على تأشيرة مسبقة للدخول إلى نحو 201 وجهة سفر مما يمنحه درجة تنقل منخفضة جدًا إجمالًا.

وعلى الرغم مما سبق فقد أصبح المواطن السوري في السنوات الأخيرة في سباق مع الزمن من أجل الحصول على ما يثبت هويته أو يمنحه الرخصة للتنقل عبر البلاد، وأصبحت معركته أكثر محدودية وضآلة من إثبات أحقيته بالانتماء إلى البلاد أو الحياة الكريمة، لقد عمل النظام على تقزيم قضيته إلى أن أصبحت تتمحور حول حق الحصول على جواز سفر من عدمه، إذ يعاني السوريون اليوم من عدم القدرة على الحصول على وثائق سفر وتعنّت من طرف السفارات بسبب العجز عن إصدار جوازات السفر بسبب عدم وجود مواد خام وأوراق للطباعة بحجة الحصار الاقتصادي والتضييق العالمي.

لم تتخلّ المنظومة الإدارية في سوريا في هذه الحالة أيضاً عن عادتها في شرعنة الفساد وجعله وسيلة للحصول على الخدمة مع انتهاك المعايير القانونية والإدراية، وكان مناخ الحرب والشتات مؤاتياً لازدهار الأعمال غير القانونية ووجود طبقة جديدة من المتنفذين أصحاب العلاقات والأذرع الطويلة في النظام السوري، الذين يتربحون من حاجات الناس ويستغلونها حتى أبعد حد، على الرغم من الفقر المدقع المحدق بمعظم الفئات الاجتماعية مقابل ظهور طبقة أثرياء حرب طفت على السطح وسيطرت على المفاصل المهمة.

لقد اشتهرت المؤسسات السورية على الدوام بالواسطة والمحسوبية ولم تكن الرشوة من المحرمات الأخلاقية، وكان المواطن يستطيع دعم أحقيته بالحصول على الخدمة أو المكاسب التي تمنحها عن طريق استخدام أحد هذه الوسائل، وعلى الرغم من الثورة ضد الفساد وعلى الرغم من السنوات العجاف غير أن منظومة الفساد كانت الشيء الأكثر سلاسة في التحول فانتقلت من مرحلة إلى أخرى ووجد السوريون أنفسهم في داخلها ومضطرين للتعامل وفق آلياتها.

مؤخراً رفعت وزارة النظام السورية رسوم استخراج الجواز في الداخل بنسبة 200% حيث أصبحت التسعيرة 102 ألف ليرة سورية للسوريين في الداخل، وهو رقم مبالغ فيه للغاية بالمقارنة مع معدلات الدخل والأجور التي يحصل عليها السوريون، بينما يتقاضون رسوم إصداره في الخارج بالعملة الصعبة، زاد في الطين بلة وجود طبقة من السماسرة تصدرت المشهد للوساطة لتسريع العمليات الإجرائية مقابل مبالغ طائلة، بحيث أصبح بإمكان شخصيات محسوبة على النظام وسفاراته تسهيل إجراءات الحصول على جواز سفر على الرغم من الادعاء بصعوبة ذلك مقابل مبالغ كبيرة، إذ يضطر السوريون إلى حجز أدوار قد تطول كثيراً وقد لا يحصل على الوثيقة إلا بعد ثلاثة أو ستة أشهر بحسب كونه جوازاً عادياً أو مستعجلاً.

يجد السوريون اليوم أنفسهم مضطرين لاستصدار وثائق تثبت هوياتهم وشهاداتهم وتمنحهم حق السفر والتنقل واستصدار الإقامات على الرغم من أن ذلك يعد مكلفاً مادياً، وسط إجراءات معقدة تستخدمها حكومة النظام في مواجهة المواطنين في حين تترك الباب مفتوحاً للوسطاء والسماسرة لحل تلك الإجراءات، وتقع العاقبة في ذلك على المواطن الذي يضطر لذلك استجابة لمطالب دول اللجوء التي يقيم فيها وإجراءاتها الورقية التي لا تنتهي، على الرغم من معرفتهم العميقة بأن السوريين اليوم فارين  من بلاد لا يستطيعون الحصول منها على أهم متعلقاتهم ويعجزون على الوصول إلى وثائقهم الرسمية.

ليس مناخ الفساد غريباً أو مستغرباً في سوريا، لقد تجذرت حالة من الفساد المقنع والواضح في المؤسسات المدنية والعسكرية طوال عقود، وعلى أن حالات الاستغلال هذه لم تكن مشروعة في العلن لكنها رائجة ولا يمكن في كثير من الأحيان تجاهلها من دون الانخراط فيها، وإذا كان من الممكن أن نسعى في الفترة التي تلت الثورة السورية لمحاولات الإصلاح وتغيير الواقع إلا أن ذلك يبدو اليوم بعيداً نسبياً وغير قابل للتحقق، لأن كل هذه الاحتمالات تنطبق على الشكل السياسي للجماعة التي تسمى دولة لكنه لا يمكن أن يمت لسوريا بصلة لأنها لم تملك تلك المقومات.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

مقالات أخرى للكاتبة

سوريا اليوم. أخبار سوريا. أخبار سوريا اليوم. سورية اليوم. أخبار سورية. أخبار سورية اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم سوريا. أخبار اليوم سورية.