أحمد جاسم الحسين: السوريون طالبو لجوء أم ضحايا حرب؟

الأربعاء 6 تموز/يوليو 2022

يعرف قانون الجنايات الضحية بأنها من وقعت عليها جريمة. وكذلك الضحايا هم الأشخاص الذين وقع عليهم ضرر فردي أو جماعي. ويدخل فيه: الضرر الجسدي، أو النفسي، أو العقلي، أو الاقتصادي، أو العائلي، أو المجتمعي، أو فقدان الحقوق الأساسية.

معظم الشعب السوري، اليوم، هم ضحايا النزاع المسلح، ووقع عليهم ضرر من نوع ما، وتنسجم تلك الرؤية القانونية مع ما أقرته الأمم المتحدة من مبادئ أساسية حول توفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة وفقاً للقرار 40/ 34 1985. وحرص القانون الدولي على تحديد ضحايا النزاع المسلح، ومنعَ جعلهم دريئة أو أداة حرب، وحدّد آليات لتعويضهم ومساعدتهم، ورد اعتبارهم، ومعالجتهم جسدياً ونفسياً في بلدان النزاع ذاتها، أو في البلدان التي يستطيعون أن يصلوا إليها هروباً من الحرب.

وعلى سبيل المقارنة عرَّفتْ وثائق الأمم المتحدة اللاجئ بأنه كل شخص يرحل خارج بلد جنسيته وإقامته الأصلية، بسبب خوف من التعرض للاضطهاد أو الجوع أو سواه بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يستظل بحماية بلده الأساسي.

إذاً، السوريون الذين وصلوا أو يصلون إلى البلدان الأخرى وفقاً للقانون، بفروعه المختلفة هم مجنيٌ عليهم هم ضحايا؛ بسبب تعرضهم لجريمة مباشرة فيها أذى جسدي أو اقتصادي أو نفسي، أو بصفتهم جزءاً من المجني عليهم عامة، نتيجة النزاع المسلح في بلدهم، استطاعوا الإفلات من أن ترتكب بحقهم جريمة أكبر فيما لو بقوا هناك.

إنَّ وضعهم القانوني الجديد في بلدان اللجوء كـ “لاجئين” أو ضيوف، أو إقامة مؤقتة، أو “مهاجرين”، لا يسُقْطِ عنهم الجرم الأساسي، الذي وقع عليهم وهو أنهم مجنيٌّ عليهم، وضحايا، وبالتالي لهم حقوق على أي بلد عضو في الأمم المتحدة، لتقديم الدعم لهم، وإيوائهم. وبناء على هذا التوصيف القانوني الأممي، فإنَّ من يقوم بإعادتهم إلى مكان ارتكاب الجريمة هو مجرمٌ آخر، غير مباشر، يتواطأ مع المجرم الأول، الذي ارتكب الجريمة السابقة بحقهم.

من يحدّد أنَّ سوريا آمنة، ولن تُرْتَكبَ جرائم جديدة بحق أولئك الضحايا، ويمكن إعادتهم إليها؟

بالتأكيد ليست إرادات الدول المتضرّرة من عدد اللاجئين، أو لديها أجندات انتخابية، أو مشكلات اقتصادية، وأزمة بنيوية، وتحاول استعادة عصبة مركزية وهوية قومية تقوم على تحميل الآخر المشكلة وهو يشير إلى أزمة في هوية الدولة ذاتها الرافضة للآخر والمنشغلة بتقديس للأجداد والحكام السابقين وتريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حيث الدولة المدنية.

الأمم المتحدة ومؤسساتها هي من يحدد ذلك، ولم تقر حتى الآن أن سوريا بلد آمن، يمكن العيش فيه، حيث الجاني لا يزال طليقاً، ولم يخضع لأي محاسبة، ويعتقد أن من حقه أن يرتكب جريمة جديدة، دون أن يردعه رادع، وهو معلوم للجميع.

ولم تقر، حتى الآن، قوانين واتفاقات على طريق العدالة الانتقالية بضمانات دولية وأممية في سوريا، بل إن البلد الذي هرب منه الضحايا، هو اليوم بلد ميليشيات، وفلتان أمني، وفيه أكثر من محتل، والسلطة المركزية ضعيفة ومنخورة بالفساد والانتقام والإجرام والتغييب والاعتقال والإفناء.

يفرق علم اجتماع الضحايا بمفهوم الضحية وأنواعها وأسباب كونها ضحية، ومظاهر وجودها؛ ويفرق بين مجتمع تكون الفردانية هي المسيطرة فيه، ومجتمع تكون العائلة والعشيرة هي من يحدد مساراته. في النوع الثاني تكون الجريمة بحق الضحية مضاعفة لأن حرمان الضحية من العيش مع الأهل والعائلة والبنية الاجتماعية جريمة إضافية تُرتَكَبُ بحقها، وينطبق هذا كذلك على المجتمعات الدينية التي تحول أبناؤها إلى ضحايا، فتفريق المؤمن بديانة ما عن شبكته الدينية ومرموزياتها من كنائس وجوامع، ونقله لاجئاً إلى مجتمع ذي قيم فردانية، غير ديني، أو ديانته مختلفة كلياً، يعني أن آثار الجريمة مستمرة بحق هذا الشخص الضحية، خاصة الجيل الأول من اللاجئين الضحايا.

ويفرق علم اجتماع الضحايا بين الجريمة التي ينجم عنها أذى مادي من مثل سرقة دراجة هوائية أو نقود. وجريمة ذات أبعاد وجودية. ويرى أن الضحية يمكن أن تنسى بسرعة في الحالة الأولى، بخاصة في ظل وجود محاسبة. أما في جريمة الهرب من بلد الولادة نحو اللجوء؛ فتتشكل أوجاع نفسية، طويلة الأمد، مما يفاقم من آلام الضحية ويجعلها رهينة أوجاع ماضيها.

تنسب لـ تشرشل مقولة شائعة: التاريخ يكتبه المنتصرون! هذه المقولة صحيحة يوم كان القلم والدفتر بيد المنتصر أو الحاكم والسلطة فحسب، فيكتب ما يشاء عن معاركه وضحاياه وجرائمه، لذلك في سوريا سميت حرب تشرين (وهي خسارة كبيرة)، بأنها حرب تشرين “التحريرية”، ولم يعرف السوريون ماذا حررت ومن حرر وكيف؟ بل اكتفوا كل عام بالاحتفال مع القائد بذكرى النصر.

اليوم؛ صار صوت الضحية مسموعاً بقوة نتيجة العصر التقني والسوشال ميديا، قد تفوق صوت الجاني أو صاحب السلطة، لأن الضحية هي من وقع عليها الجريمة، وبالتالي فمن الممكن أن تصرخ وتعبر. فيما يحاول المجرم أن يتخفى أو يهرب خوفاً أو رغبة بعدم دفع ثمن اجتماعي أو اقتصادي أو فكري.

يفرق علم اجتماع الضحايا، إبان تناول شريحة اللاجئين بين شريحتين رئيسيتين هما:

أولاً شريحة لاجئي الفقر والجفاف والجوع (حالة لاجئي الصومال وأريتريا)، وهؤلاء مشكلتهم الأساسية بيئية، وحرمان من الطعام يمكن تعويض آثاره خلال فترة قصيرة، ولا توجد جهة محددة ارتكبت بحقهم جريمة سوى الجفاف وهو عامل طبيعي ليس ذاتاً اعتبارية يمكن القصاص منها. وكذلك يرصد شريحة لاجئي التحول الجنسي، إذ يضعها في إطار الجرائم التي تزول الكثير من آثارها عبر تأمين بيئة آمنة وحاضنة غير رافضة.

وثانياً: شريحة لاجئي الحروب والنزاعات المسلحة، الذين ارتكبت بحقهم وحق عوائلهم جرائم وجودية، لن تشفى جراحها قبل مرور فترة طويلة قد تتجاوز الجيل الأول. إذ لا يزيل المكان الآمن أو تقديم المساعدات الاجتماعية أو الاقتصادية والقانونية للاجئين السوريين في أوروبا صفة الضحية عنهم، فهم وفقاً للخط الزماني الأفقي كانوا ضحايا في بلدهم، ولا يزالون، صحيحٌ أن فترة ارتكاب الجريمة الأولى بحقهم قد توقفت، نتيجة وصولهم إلى مكان آمن إلا أن آثارها وما يترتب عليها مستمرة؛ خاصة الجيل الأول من اللاجئين، الذين تشكلوا وتشكلت ذاكرتهم في بلدهم الأم.

بالتأكيد؛ هناك فرق بين ضحية تمت مساعدتها، ومنحها جنسية بلد آخر، وحمايتها ورعايتها ومساعدتها مادياً، كما هي حالة اللاجئين في أوروبا. وضحية مهددٌة كل ساعة بأنه سترتكب بحقها جريمة جديدة، من خلال حافلة الترحيل في إسطنبول أو الطائرة في الدنمارك، فإعادة تسليم الضحية للمجرم يفتح الباب لارتكاب جريمة جديدة بحقه، وهذا الفعل مهما كانت مسوغاته، تنصلٌ من الواجبات الأساسية لمفهوم الدولة، وفقاً لحقوق الإنسان.

في ضوء ذلك تفقد “البروبوغاندا” الإعلامية الكثير من صدقيتها، التي قد يواجهك فيها أشخاص رافضون لتوصيفات القانون الدولي بأنك ضحية، ويقولون لك: أنت منشغل بالخلاص الفردي!

في الإجابة: أنت لم تبحث عن الخلاص الفردي من جملة موشور من الخيارات، ذات الطابع الإنساني، أو اخترته لأنك أنانيٌّ، أو لأنك تخليتَ عن واجباتك الاجتماعية والوطنية، بل فُرِضَ عليك. أنتَ هربت من جريمة أكبر كانت ستقع عليك، أنتَ أنقذتَ أطفالك وعائلتك، وأنت الآن تسهم اقتصادياً في مساعدة جزء من مجتمعك الأم.

أما دعاوى عدد من الصحفيين الأوروبيين والمتطرفين حول المقارنة بين الحالة الأوكرانية والسورية فلا أهمية لها، هناك دولة تهاجم دولة، وبالتالي هناك معركة، وجبهة قتال ودفاع عن الوطن بين محتل وصاحب أرض. أما في سوريا فآل إلى نزاع مسلح أهلي، ترتكب سلطة البلد المركزية وميليشياتها، أو الميليشيات التي هيأت لها المناخ الملائم للولادة، الجرائم بحق أبناء الدولة.

فالمقارنة قانوناً ووفقاً لعلم الاجتماع والفلسفة غير صحيحة، ولا يوجد نقاط تشابه بين الحالتين من حيث الجاني والضحية والجغرافيا والشهود وموقف المجتمع الدولي، أما تزامنهما أو تقاربهما زمنياً فلا يمنح المقارنة عامل ترجيح. الحالة التي أوجدها النظام السوري، واستيلاد داعش، وتحول سوريا إلى أربع سوريات حالة غير مكررة في الحدث السياسي العالمي، لا بد من قراءتها في ضوء بناها وطبيعة الجاني والضحية والجريمة، وأداة الجريمة، وأحد أمثلتها: البراميل المتفجرة التي تلقى من طائرات الهلوكبتر دون أن يكون لها وجهة محددة، تريد أن تفني مجموعة بشرية كلما قلّ عددها، كان ذلك أفضل وأقل ثمناً، وفقاً لتصريحات المجرم.

اللجوءُ السوري ليس حبية يميل لها القلب، فتمشي على أجنحته نحوها. طريق اللجوء هو درب الضحايا، الشائك، الوعر، المرير، الذي يمتلئ بحواجز من اقتلاع واهتزاز وصراع في كل خطوة فيه!

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

مقالات أخرى للكاتب

سوريا اليوم. أخبار سوريا. أخبار سوريا اليوم. سورية اليوم. أخبار سورية. أخبار سورية اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم سوريا. أخبار اليوم سورية.