شفان إبراهيم: التدهور الاقتصادي مؤشر مخيف لشمال شرقي سوريا

الأربعاء 20 تموز/يوليو 2022

تتحدّث بعض النخب السياسية في الإدارة الذاتية، رداً على المطاليب الاقتصادية بضرورة تضحية الشباب بطاقاتهم وقوتهم الدافعة في سبيل “مصلحة البلاد”!

غريب أمرهم؛ إذا علمنا أن قرابة الــ90% ممن قتلوا في مختلف المعارك هم من فئة الشباب ما دون العقد الرابع، وقسم كبير منهم لم يتزوج ولم يكمل تحصيله العلمي، وأن القوة المستفعلة الحركية وتسيير الأمور الإدارية والروتينية ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية هم من فئة الشباب أيضاً. في حين أن 90% من الفاسدين واللصوص وأصحاب الصفقات المشبوهة هم من شريحة الرجال – الكبار.

فإذا كانت الإدارة الذاتية تعبت من مقاومة ضغط الحرب والتهديدات العسكرية، فلماذا لا تتمكن من ضبط الفساد والنهب المنظم وتتجاوز مدّة اعتقال السياسيين والصحفيين والناشطين وأصحاب الرأي، مدة توقيف شبكات الفساد والسرقة. وهو ما يخلق مسرحاً للنفور والشعور بالهزيمة أمام الفقر والجوع، وهي تنبئ بمشكلات أكبر وأوسع.

لم تشهد مناطق شمال شرقي سوريا واقعاً بائساً منذ عقود، أكثر مما هي عليه في أيامنا هذه. ومع حساب الضرر الكلي البليغ الذي تتسبّب به الحروب والمعارك المستمرة بوتيرة طويلة، لكن الثورة التي لا تأتي على الفقر وموانع توفير الاستقرار المادي والأمني وتوفير فرص العمل، تقي الموظفين من العوز والحاجة، لا تكون ثورة بمخرجات عظيمة، حيث تجاوزت متطلبات الحياة اليومية من معيار الرفاهية والكماليات إلى الاختصار في الضروريات فحسب، مترافقاً مع انعدام شبه كلّي في الإنتاج المحلي مع زيادة الطلب والاستهلاك، لذا تستطيع القواعد الاجتماعية أن تنظر بعين الشك والريبة لمستقبلها.

وتالياً فإن الفقر يتصدّر المرتبة الأولى في هذه البلاد الغنية بمواردها والفقيرة بإنتاجها. والفقر هو الداء الأكثر انتشاراً والأكثر غدراً والأشد فتكاً بالشباب وأفكارهم، وبالآباء الذين يشعرون بصغر أحجامهم أمام عجزهم عن توفير مستلزمات أبنائهم نتيجة للغلاء مقابل رداءة الأجور. وهو أسوأ الأمراض الاجتماعية التي يعيشها شمال شرقي سوريا في أيامنا هذه.

لا توجد أنقاض للحرب في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، كما هي حال أغلب المدن السورية من دمار للبنية التحتية خاصة المدارس والمشافي. والمنطق الطبيعي يقول إن الانتهاء من الحرب ضد “داعش” وانحسار العلميات العسكرية المباشرة بين “قسد” ومختلف الأطراف كان من الطبيعي أن يحمل الاقتصاد إلى الاستقرار وإزالة أنقاض عقدٍ من الحرب.

وإذا أخذنا تكرار التهديدات التركية وفصائل المعارضة السورية بعين الاعتبار، فهي الأخرى في “بعض تفاصيلها” المهمة تتعلق بعقلية إدارة المنطقة وتركيبة العقول التي تتنبأ بالمشكلة، والتي لم تتمكن من فهم أن واشنطن لن تفرّط بأنقرة أبدا، والعقل الإداري السليم يحذر صاحبه من مغبة المساس بحسابات توازن القوة، وأن معارك خاطئة محسومة النتيجة لا طائل حتى بمجرد التفكير فيها، وكأن بهم يقولون لنا “الجوع، التحمل، السكوت” كُلها صدقات وجزء من الإيمان.

تبدو الإدارة الذاتية مطمئنة، وصنّاع القرار فيها “مبسوطين” وينامون مرتاحي البال؛ فلا منافس اقتصادي قوي أو ضعيف لهم، لذلك فهم لا يشعرون بأن أزمة اقتصادية تعصف بالعباد والبلاد، ويخال لهم أن ثورات الربيع العربي لم تكن ترتبط بالاقتصاد أيضاً كحال ارتباطها بالسياسة والضغط الأمني، فالفقر لا يمنح المقاتل القوة للمواجهة والبقاء.

في كل مرة نلتقي فيها بالأهالي والنخب والشباب، تتطابق فيها الأسئلة والاستفسارات كلها حول فكرة واحدة: هل تعي الإدارة الذاتية أن لا إمكانية لتغيير توجهات وآراء المجتمعات المحلية وموقفها من الإدارة والنظام السياسي القائم، من دون فهم تأثير الفقر والضعف الاقتصادي. ولا مجال لمعرفة جذر ردات الفعل الشعبية سواء الظاهرة منها أو الكامنة من دون الاطلاع وفهم دور العسف السياسي والفقر.

الواضح أن شبكة البرجوازية الحزبية المتحكّمة باقتصاديات الإدارة الذاتية لا يهتمون ولا يقرؤون أن منطق القواعد الاجتماعية هو البحث عن الرفاهية والأمان والأيام السعيدة أوقات السلم، والحصول على مقومات البقاء والاستقرار في أيام الحرب، والنهضة الإنتاجية في مراحل معينة من الصراع وما بعده، وأن تعاظم نفوذ الأفكار المعارضة للسياسات الاقتصادية تتسع عبر نطاق مخيف للقوى العاملة ضمن الإدارة الذاتية نفسها، فلتتفضل تلك البرجوازية ولتتبرع بملايين الدولارات لتوفير مستلزمات الأهالي في حال نشوب أي عملية عسكرية جديدة.

في المقابل تُلزم تلك الشرائح الاجتماعية بدفع “بوصلة التأمين” من الضرائب التي لا مقابل لها على صعيد الضمان الاجتماعي – التقاعد – ضمان صحي، شيخوخة، وهذه الضرائب بطبيعة الحال تُدفع من جيوب الفقراء وحدهم، إذ إن قطاعات التجار والأطباء وكل الشرائح الاقتصادية تلجأ إلى زيادة تعرفتها وأسعارها ومعايناتها لتعويض ما يتم دفعه من ضرائب، والضحية دائماً وأبداً هي المشتري والمريض والزبون، والتي تكون من بين أسباب انحسار مدخراتها الخاصة.

وإذا كانت غالبية الأهالي يعتاشون على ما يردهم من حوالات خارجية تتراوح عادة ما بين الـ50-300 دولار، فإنها لم تعد تكفي لإعالة الأسر بسبب انخفاض الليرة السورية أمام الدولار ورفع التجار لأسعار المواد، وتثبيت الأسعار على أعلى سعر للدولار بغض النظر لارتفاع قيمة الليرة السورية بين الحين والآخر، ما يجعل من الحوالات الواردة تفقد جزءا من دورها في عمليات الشراء والتأثير المباشرة على الطبقات الوسطى وما دون الوسطى.

وهو ما يجعل الوسط الاجتماعي مهيئا لإيجاد ردة فعل ربما تكون عنيفة ما لم تلجأ الإدارة الذاتية الآن وليس بعد قليل، اليوم وليس غداً، إلى ابتكار الأدوات والآليات الكفيلة بتوفير ما يحتاجه الأهالي من خدمات وأجور جيدة ومتطلبات معيشة محترمة، أو نظام سياسي اقتصادي جديد، أن يعيش الأهالي على ما يرسله ذووهم من الخارج،  بل الحالة الطبيعية لأي سلطة حكم نظامية أو أمر واقع أن تشرع في أحداث ما يوفر النمو الطبيعي للاقتصاد وإنتاج مواد خام ومواد غذائية؛ فالاهتزازات التي أصابت الاقتصاديات المحلية سواء الناشئة أو الدائمة الموجودة، سبّبت حساسيات شديدة ضمن المجتمعات المحلية، فطبقات النخبة المالية تشكل أقلية والوقاحة أنها تدافع عن حقها في الــ”النهب والسرقة”، وربما في قادمات الأيام تطالب بحقها في التمثل السياسي.

ترى أي عقل بشري سوي هو الذي يخير الأهالي المستقرين في هذه الرقعة البائسة، بين ثلاثة سيناريوهات:

  • أولها: تحمل الجوع والفقر وفقدان غالبية مستلزمات المعيشة اليومية، في ظل اللاسياسات واللاحلول للمشكلة الاقتصادية.
  • ثانيتها: عودة الحكومة السورية بكليتها وهي في حدها الأدنى وقبل أن تبادر لفعل أيّ شيء، فإن المرجح أن غالبية المنازل ستلزم بدفع ملايين الليرات السورية ثمن فواتير الماء والكهرباء، وتسوية أمور البناء ومركبات الإدخال، التي لم تدفع لمؤسسات الحكومة السورية منذ قرابة عشرة أعوام، عدا عن مسارات الرعب والخوف وغيرها.
  • ثالثتها: عملية عسكرية جديدة تقودها تركيا والفصائل السورية المسلحة وما تتسبب به الحرب دوماً وأبداً من هجرة وتمزيق للشمل الاجتماعي.

التاريخ السياسي في بلدان هذه المنطقة يؤكد أن الفقر والحاجة كانت أبرز محركات التظاهرات وتالياً ما ولده من عنفٍ خلق دوياً لم تتمكن أعتى الجيوش وأسلحتها الفتاكة من إيقاف سيرورتها التاريخية. وتجتمع أسئلة الهم الشعبي عامة والكردي خاصة، ماذا جنينا إذاً بعد عقدٍ من الحرب وأكثر من 12 ألف قتيل، إن كانت السياسات المتبعة هي ذاتها التي كانت تطبق وتتبع في كامل دول الربيع العربي؟ ولماذا لا يُبحث في حلول سياسية رصينة توفر حمولة تصالحية للمنطقة، وتؤمن إيقاف أي عملية عسكرية جديدة؟!

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

مقالات أخرى للكاتب

سوريا اليوم. أخبار سوريا. أخبار سوريا اليوم. سورية اليوم. أخبار سورية. أخبار سورية اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم سوريا. أخبار اليوم سورية.