عمر قدور: سوريا في ثلاجة بايدن

الثلاثاء 26 تموز/يوليو 2022

سرعان ما تراجعت إدارة بايدن عن الاهتمام البسيط الذي أبدته تجاه سوريا إثر بداية الغزو الروسي لأوكرانيا. حينها، كما نذكر، عاد الحديث عن جرائم الأسد، ولو من بوابة نبش جرائم بوتين في سوريا بهدف الضغط عليه بسبب غزوه أوكرانيا. أيضاً، برز الاعتقاد بأن لحظة واشنطن مواتية لإضعاف موسكو في سوريا، ولو لم يتعلق ذلك بتحقيق مكاسب مهمة للسوريين، أو توقف عند عدم تقديم المزيد من التنازلات للأسد وحلفائه.

نظرياً، كانت الشهور الخمسة الماضية هي الأنسب لإظهار تصلب أمريكي في سوريا من أجل زيادة الضغط على موسكو، رغم أن مركز الضغط هو في الجبهة الأوكرانية، ولإبداء شيء من الضغط على طهران من جملة إشارات لدفع مفاوضات الملف النووي. إلا أن سياسة بايدن أخذت تتضح، وتتراجع عن التوقعات المحيطة بها، لتصل أخيراً إلى ما يشبه رضوخاً تاماً لموسكو في مجلس الأمن، عندما وافقت على التمديد لإدخال المساعدات الأممية إلى الشمال السوري لمدة ستة شهور فقط، في تراجع عن مطلب التمديد لمدة سنة، ما يعطي موسكو فرصة قريبة جداً للابتزاز بالفيتو لمنع التمديد لآلية المساعدات مجدداً.

بل إن إدارة بايدن أعطت موسكو ما تريد، لجهة ممارسة الابتزاز في أقصى وأشنع حالاته مع انتهاء العام، أي في ذروة فصل الشتاء، حيث تشتد حاجة حوالى ثلاثة ملايين لاجئ في الشمال إلى مختلف أنواع المساعدات. القول أن واشنطن عاجزة أمام الفيتو الروسي يتوقف عند الشكل فحسب، لأن إدارة بايدن مدركة جيداً أبعاد الكارثة الإنسانية المقبلة، ولم تبذل من الجهود أو الضغوط ما ينفع لتلافيها مؤقتاً، على الأقل لتأجيلها حتى الصيف القادم كي تكون أخف وطأة.

كان في وسع إدارة بايدن التشدد، والتلويح بالعمل مع حلفائها على نحو مستقل لإيصال المساعدات، لو امتلكت النية حقاً. ذلك، كما نعلم، يتطلب التنسيق مع أنقرة، وهو خيار ربما تتمناه الأخيرة لتحسين علاقاتها مع واشنطن، العلاقات المتعثرة بسبب ملفات عديدة، قد لا يكون ملف الإدارة الذاتية الكردية في طليعتها سوى إعلامياً. ومن المرجح أن تكون أنقرة تواقة إلى علاقة أفضل مع واشنطن تجعل موقفها أقوى في العلاقة ذات الدفء الملغوم بين أردوغان وبوتين، وهي بمثل هذا التنسيق مع واشنطن تتخلص أيضا من الضغط الروسي عليها في موضوع اللاجئين المهددين بالكارثة ضمن مناطق نفوذها.

لا تريد إدارة بايدن، بخلاف التوقعات التقليدية، إبعاد أنقرة عن موسكو. الأقرب إلى الواقع أنها تريد الإبقاء على موقع أنقرة الذي قد يكون مفيداً للتوسط بين روسيا والغرب. إنها بهذا أيضاً تترك نافذة مفتوحة لبوتين، فلا تستفز الدب إلى أقصى حد بأن تغلق عليه جميع النوافذ. لدينا في مثال اتفاقية تصدير الحبوب الروسية والأوكرانية نموذج عن الدور التركي المطلوب أمريكياً وغربياً، وأهميته على هذا الصعيد تفوق اهتمام الغرب باللاجئين السوريين المفترض بهم الاعتياد على الكوارث.

لقد كان الموقف الأمريكي من التلويح التركي بعملية عسكرية ذا دلالة مزدوجة، فقد كان في وسع إدارة بايدن وضع ضوء أحمر حازم أمام أنقرة يكفي لردعها عن العملية، وهذا ما حدث إلى حد ما، إلا أن واشنطن أعطت بالتوازي ضوءاً أخضر لقسد ومسد للتنسيق مع الأسد. لقد حصل ذلك بالتوازي أيضاً مع مناقشات مجلس الأمن الخاصة بالمساعدات، وكأنها قدّمت رشوة لموسكو حتى من أجل الموافقة على مشروع الأخيرة الخاص بالتمديد لمدة ستة شهور، إذ يكاد يكون التنسيق بين قسد والأسد مطلباً روسياً أكثر مما هو مطلب أسدي.

بينما يحدث ذلك التهاون كله على المقلب السوري، تواصل واشنطن بكثافة إرسال الأسلحة ومختلف أنواع المساعدات إلى أوكرانيا، مع بذل جهود لدى الحلفاء ليحذوا حذوها. وتيرة إرسال المساعدات، والتصريحات الأوكرانية الخاصة ببدء هجوم مضاد لاستعادة مناطق سيطرت عليها روسيا، يعنيان أن واشنطن عازمة على وضع ثقلها لإنزال الهزيمة بروسيا هناك، وهذه الروحية في التعاطي تختلف كلياً عن التنسيق الذي تعلو وتيرته أو تنخفض “من دون أن تنعدم كلياً” في سوريا.

يفسّر بعضاً مما سبق عدم وجود خلاف جوهري بين واشنطن وموسكو في سوريا؛ الثانية تدخلت بهدف معلن هو إنقاذ الأسد، والأولى تدخلت مرغمةً بسبب داعش، وهدفها المعلن الضغط من أجل تغيير في سلوك الأسد لا تغييره. إسرائيل أيضاً، بتأثيرها على واشنطن، مع بقاء الأسد، وقد طوت شرط إبعاده عن طهران منذ تولت بنفسها مهمة ضرب الأهداف الإيرانية.

لكن عدم وجود خلاف جوهري في سوريا لا يفسر وحده عدم استخدامها ضد موسكو، ما لم نأخذ في الحسبان أن التدخل الروسي أتى بموافقة تامة من واشنطن، في حين لا يحظى غزو أوكرانيا بالموافقة ذاتها، وإن كان الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم قد حصل على نصف موافقة غربية. ما يخص سوريا في اللوحة الإجمالية بقي بلا تغيير، والدور الروسي فيها هو حتى الآن بالحفظ والصون أمريكياً.

لا تبذل واشنطن أي جهد لتنغص على الوجود الروسي في سوريا، ولا الغرب بمجمله يطالب موسكو بالانسحاب أو بتحسين أدائها. موسكو هي التي تذكّر بين الحين والآخر بأنها موجودة بطلب من بشار الأسد، بينما الوجود الأمريكي “والتركي من دون تسميته” غير شرعي لأنه لم يأت بطلب من الأسد. صحيحٌ أن أداء موسكو هذا مجرد فقاعات إعلامية، أما ما ليس صمتاً إعلامياً فقط فهو عدم تنويه واشنطن ولا لمرة واحدة بأن الوجود الروسي أتى بطلب من سلطة مشكوك في شرعيتها على الأقل، وكذلك هو حال الصمت الأمريكي إزاء التدخل الإيراني قبل التدخل الروسي وحتى الآن.

أوكرانيا على نار حامية، سوريا في الثلاجة. والتفسير الأقرب أن بايدن يضع سوريا في ثلاجته، تماماً على خطا أوباما الذي قيل أنه كان يحتفظ بالملف السوري لنفسه في درج مكتبه، تاركاً إياه خارج الخطط العامة للسياسة الخارجية، ليستخدمه للمقايضة وقت الحاجة. المصيبة في ذلك كله ليست سياسية وعسكرية، هي إنسانية أولاً، وفيها تهريج فوق أرواح السوريين عندما ستقف مندوبة بايدن في الأمم لتلقي مسؤولية عدم إغاثة اللاجئين على موسكو وحدها.

المصدر: المدن

مقالات أخرى للكاتب

سوريا اليوم. أخبار سوريا. أخبار سوريا اليوم. سورية اليوم. أخبار سورية. أخبار سورية اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم سوريا. أخبار اليوم سورية.