محمد حبش: رحيل إليزابيث ودين الدولة

الخميس 22 أيلول/سبتمبر 2022

شُغل العالم كله الفترة الماضية، برحيل الملكة اليزابيث، وعلى الرغم من أهمية سقوط حكومة وتنصيب أخرى في بريطانيا، ولكن هذا التغيير الهائل بدا هامشياً في تفاصيل بروتوكول رحيل الملكة، ولم يعُد أحداً يتحدث عن بوريس جونسون ولا عن ليز تراس، وباتت طقوس الجنازة وتقاليدها هي التي تشدّ العالم من أقصاه إلى أقصاه؛ في حدث ليس لنا فيه ناقة ولا جمل، ولكن الإنسان مفطور على الفضول، ولا داعي لافتراض سبب آخر وراء هذا الاهتمام أكثر من الفضول نفسه.

ولكن ما يعنيني في هذه الأحداث الاستعراضية هو القَسَم الملكي الذي قدمه الملك تشارلز الثالث؛ في قصر سانت جيمس ونقله العالم كله، ونصه:

“أنا تشارلز الثالث، بفضل الله من المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى، وأيرلندا الشمالية، وملك الممالك والأقاليم الأخرى، المدافع عن الإيمان، أتعهّد وأُقسم بأمانة أنني سأحافظ على تسوية الدين البروتستانتي الحقيقي على النحو المنصوص عليه في القوانين الصادرة في إسكتلندا، وخاصة من خلال قانون الكنيسة المشيخية، وبموجب القوانين التي تمّ تمريرها في البرلمان، جنباً إلى جنب مع الحكومة والعبادة والانضباط وحقوق وامتيازات كنيسة إسكتلندا، لذا ساعدني يا الله”، وعند هذه العبارة يردّد الجميع عبارة: “حفظ الله الملك”.

وسؤالي المباشر هو هل يمكن أن يُضيف هذا القسم إلى وعينا شيئاً مهماً؟

يجري الجدل على أشده اليوم بين فريقين من السوريين حول دين الدولة، والنص على دين الدولة، ومع أنني لا أكتم رغبتي في قيام دولة مدنية لا يُذكر فيها دين أحد من الرعية؛ خاصة في بلادي؛ التي تعيش بؤساً طائفياً مقيتاً فرضه التخلف والجهل والتجارة بالدين، ولكنني في الوقت ذاته؛ لا أجد أي ضرر من النص على دين الدولة، إذا نجحنا في تحقيق قدر من الوعي في علاقة الناس بالدين.

تنصّ الدساتير في 106 دولة في العالم؛ على دين الدولة أو على وصف تفضيلي لدينٍ ما، فيما تنصّ دساتير 78 دولة أخرى؛ على حياد تام بشأن الأديان مع التأكيد على حماية حق الأفراد في التديّن، فيما تنصّ عشرة دساتير أخرى؛ على دور معادٍ للدين، وبذلك يكتمل مجموع 194 دولة، وهو عدد دول العالم المُسجّلة في الأمم المتحدة.

وفي أوروبا تنصّ الدساتير عموماً؛ على دين الدولة وتذهب عدةّ دول ومنها الدول الاسكندنافية: النرويج والدنمارك وإيسلندا والسويد؛ قبل التعديل الأخير؛ إلى النصّ على أن الملك هو الرئيس الأعلى للكنيسة، وينصّ الدستور على الديانة والمذهب تحديداً ويمنح الكنائس امتيازات كبيرة، بل إن 25 بلداً من 49 بلداً في أوروبا، لا يزالون يرفعون صورة الصليب على أعلام دولهم، وهو أمر لا يحتاج لأكثر من النظر في صور الأعلام، فيما يشتمل العلم البريطاني على أربعة صلبان: اثنان شاقوليان واثنان محوريان، صليب انكلترا، وويلز، وإسكوتلند، ونورث إيرلند، ومن المفيد أن نشير إلى أن الصليب المائل هو صليب القديس أندريه شفيع إسكتلندا، ولا شكّ هنا أن حضور الدين ورموزه ظاهر وطاغ في البروتوكول البريطاني، ولا توجد مطالبات جدية بتغيير شيء من هذه الأيقونات المستقرة تماماً منذ مئات السنين.

ولكن .. لماذا لا تُلهب هذه الرموز الغضب في المجتمع البريطاني، على الرغم من أن نسبة هائلة منه لا يؤمن بأي دين أصلاً، وقد سجّل الإحصاء البريطاني الرسمي 2001، عدد 14 مليون بريطاني لا يؤمنون بدين، إضافة إلى ثلاثة ملايين مسلم لا يؤمنون بالصليب ولا بالكنيسة البروتستانتية، ومع ذلك كله؛ فإن الليبراليين لا يجعلون على رأس أولوياتهم التخلّص من هذه الرموز الدينية، بل إننا نشاهد زعماء الأحزاب الليبرالية يشاركون بحبور في هذه المراسيم والطقوس ويدخلون الكنائس باحترام وهم لا يؤمنون بشيء من رسالتها؟

قناعتي أن التغيير الذي وقع في الواقع الأوروبي هو تغيير في الوعي وليس تغييراً في النصّ ولا في الكنيسة، وهناك تحوّل أساسي قاده فلاسفة التنوير، مبني على احترام الدين كتراث أخلاقي وعرفاني وروحي، فيما يتعيّن على المجتمع أن يُطبِّق قاعدة أنتم أعلم بأمور دنياكم، أنتم ببرلمانكم ووعيكم التشريعي أعلم من الكنيسة ومن الكهنة ومن القديسين جميعاً.

للأسف فإن كثيراً من الليبراليين في المجتمعات الشرقية، يفترضون وجوب المواجهة الماحقة مع الدين، ووجوب استئصاله من الحياة وإلقاء كل أسباب التخلف والعنف والكراهية على الخطاب الديني، ويجب التذكير أن هذا الواقع كان له ما يشبهه في خضم الثورة الفرنسية التي أسّست لعصر الحريات، حين كان الثوار يهتفون خلف “ميرابو” سنشنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس، وكان غضبهم من الدين يرتكز على إرث بغيض ظهر في عصور الحروب الدينية ومحاكم التفتيش الدموية والتي بلغت ذروتها على يد أسرة “ميدتشي”، ومذبحة “بارتلميو” في فرنسا 1572م، وصولاً إلى حرب الثلاثين عاماً التي كانت رسمياً أسوأ الحروب الدينية وآخرها وقد انتهت 1648م، بتوقيع معاهدة “وستفاليا”؛ التي أقرّت شكل الحقوق الدينية والسياسية الممكنة للأوروبيين.

ولكن هل كانت السلوكيات الغاضبة للفرنسيين، هي المثال الصحيح للتعامل بين الدين والدولة؟، وهل كانت بالفعل هي ما تنتظره الجماهير للخلاص من الظلم والقهر؟، تبدو الآمال الميرابية خائبة تماماً حين نلاحظ الحضور الديني الرسمي المؤثر والفعال بعد قرنين وثلث من الثورة الفرنسية، فلا زال القساوسة يقومون بدور كبير في الحياة العامة، ولم يعودوا يُشكّلون أي مصدر عنف وفوضى وظلم، على الرغم من أنهم لا زالوا يُرتِّلون النصوص الدينية نفسها التي أشعلت الحروب الصليبية في العصور الوسطى والتي أوقدت نار محاكم التفتيش المتوحشة ضد الهراطقة، وباتت عاراً أسوداً في تاريخ أوروبا وحضارتها… فما الذي تغير إذاً؟

في كتابه موسيقى الحوت الأزرق، يشرح أدونيس؛ أن الغرب لم يطوِّر دينه وإنما طوَّر دنياه، ولم يفرض التنوير في النصّ الديني ولكنه فرض التنوير في البرنامج السياسي والاجتماعي، ومن وجهة نظري فهذه بالضبط هي التحوُّلات الكبرى التي ينبغي أن نعمل من أجلها.

إن ظاهرة العِداء مع الدين التي ظهرت في سوريا؛ خلال العقد الأخير، “نبيل فياض” نموذجاً، لا يمكن لها أن تُبشِّر بمجتمع حيوي، بل هي تكريس آخر للون من الطائفية المقيتة وتمزيق للمجتمع على أساس الأفكار والمبادئ وهي أسوأ نتائج المكر الأيديولوجي الذي بات هدّاماً لكل مجتمع.

نعم تريد هذه المقالة؛ أن تقول اتركوا للناس مشاعرها وتراثها وطقوسها وإلفها، ولتبقَ شعارات الدين وقيمه الفاضلة في الحياة، تعيش عليها الملايين حباً وأملاً ودمعة وابتسامة، ولكن كل ما نحتاجه هو الوعي بقاعدة “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، وهي قاعدة أعلنها رسول الإسلام بوضوح، وهو يقصد أنتم أعلم مني بأمور دنياكم، في قصة متواترة مشهورة ذكرها كل رواة الحديث النبوي، ويماثلها نص قرآني جميل وبليغ: (اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم)، وفي ضوء ذلك؛ يمكن للتشريع أن يتخيّر ما يناسب الزمان والمكان من قوانين وأحكام، مستفيداً من المرونة التي منحها الرسول الكريم للنصوص في الناسخ والمنسوخ والظاهر والمؤول والعام والخاص والمُطلق والمُقيّد وسبب النزول وسبب الورود.

يعيش في بريطانيا ثلاثة ملايين مسلم، وهم يسمعون قَسم الملك تشارلز؛ في حماية البروتستانتية والالتزام بعقيدتها، ولكنهم لا يشعرون بأيّ خوف على مستقبلهم وحرياتهم الدينية والاجتماعية، ولا أظنهم يحملون أي رغبة في تقاليد هذه البلاد المستقرة المرتبطة بهويتهم وتاريخهم.

المشهد الأوروبي واضح جداً، ولا أظن أننا نحتاج لإعادة اختراع العجلة، بل نحتاج أن نوجِّه جهدنا إلى إصلاح الوعي ونشر الحرية والكرامة، والتسليم بهوى الناس واختياراتهم فيما يعتقدون ويعشقون.

المصدر: نورث برس

مقالات أخرى للكاتب

سوريا اليوم. أخبار سوريا. أخبار سوريا اليوم. سورية اليوم. أخبار سورية. أخبار سورية اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم سوريا. أخبار اليوم سورية.