يمثل العيد مناسبة عظيمة في العالم الإسلامي، وفي سوريا تحديدًا، حيث تتجلى فيه أسمى معاني الفرح والتواصل الاجتماعي، وتنفرد دمشق، بتاريخها العريق وتقاليدها الثقافية المتأصلة، بأسلوب مميز في استقبال هذه المناسبة، خاصة فيما يتعلق بالضيافة التي تعد جزءًا أصيلًا من هوية المدينة.
ويحتفل السوريون بعيدين رئيسيين: عيد الفطر السعيد، الذي يحل بنهاية شهر رمضان المبارك، وعيد الأضحى المبارك، الذي يخلد ذكرى فداء النبي إبراهيم عليه السلام، ولكل من هذين العيدين طقوسه وعاداته الخاصة، إلا أن الكرم وحسن الاستقبال يظلان سمة مشتركة تزين احتفالات أهالي دمشق.
وفي هذه المقالة، ستتعرف على مظاهر ضيافة العيد في دمشق، وإبراز العادات والتقاليد التي تميزها، والأطعمة والحلويات التي تقدم للضيوف، والأجواء الاجتماعية التي تسود المدينة خلال هذه الفترة، بالإضافة إلى التغيرات التي طرأت على هذه العادات في السنوات الأخيرة وآراء السكان حول أهميتها.
مظاهر الاحتفال بالعيد في عموم سوريا
تتشابه مختلف المناطق السورية في العديد من التقاليد الأساسية للاحتفال بعيد الفطر الذي يحل بعد شهر الصيام، حيث تزداد الروحانية وتتجدد الآمال.
ويبدأ الاحتفال بأداء صلاة العيد في المساجد والساحات العامة، حيث يجتمع المسلمون للتضرع وتبادل التهاني، كما يحرص السوريون على ارتداء الملابس الجديدة، تعبيرًا عن الفرح والتجدد بهذه المناسبة.
ويعد تقديم “العيدية” للأطفال من أبرز مظاهر العيد، حيث تدخل هذه اللفتة البهجة إلى قلوب الصغار، ولا يغفل السوريون عن زيارة المقابر لتكريم الأهل والأحباء المتوفين، حيث يتذكرونهم بالدعاء والصدقات.
وتنتشر مظاهر التواصل الاجتماعي من خلال تبادل التهاني والتبريكات بين الأهل والأصدقاء والجيران.
ورغم وجود بعض الاختلافات في التفاصيل بين المناطق السورية، إلا أن هذه العادات الأساسية تجمع السوريين وتعكس هويتهم الثقافية والاجتماعية، فإن التركيز المشترك على الأبعاد الدينية والاجتماعية للعيد في مختلف أنحاء سوريا يشير إلى أن الضيافة ليست مجرد عرف اجتماعي، بل هي جزء لا يتجزأ من القيم الأساسية التي يحتفل بها السوريون خلال هذه المناسبات.
كما أن الاهتمام بالأطفال في العيد من خلال شراء الملابس الجديدة وتقديم العيديات، يوضح الدور المركزي الذي يلعبه الأطفال في إضفاء البهجة على هذه الاحتفالات وتعزيز الروابط بين الأجيال.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التأكيد المتكرر على التواصل الاجتماعي ووحدة العائلة يؤكد على الدور الحيوي الذي تلعبه هذه الأعياد في الحفاظ على التماسك الاجتماعي داخل المجتمع السوري.
دمشق في العيد: مدينة تحتفي بروح الألفة
تستعد دمشق لاستقبال العيد بأجواء مميزة تبدأ قبل حلوله بأيام، فتنهمك العائلات في تنظيف وتزيين المنازل استعدادًا للضيوف.
وتفوح رائحة الحلويات الدمشقية الأصيلة من المنازل، حيث يتم تحضير المعمول والكعك بأنواعه المختلفة، وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية، يحرص الكثيرون على شراء ملابس جديدة للأطفال، وإن كانت هذه العادة تواجه صعوبات متزايدة.
وتشهد الأسواق حركة نشطة، حيث يتوافد الناس لشراء مستلزمات العيد والحلويات، ومع إعلان القاضي الشرعي الأول بدمشق عن موعد العيد، تزداد مشاعر الفرح والترقب، خاصة بين الأطفال الذين ينتظرون بفارغ الصبر حلول هذه المناسبة.
وفي صباح يوم العيد، يصدح صوت تكبيرات العيد في أرجاء المدينة- ويتوجه الرجال والنساء والأطفال إلى المساجد والساحات لأداء صلاة العيد، وبعد الصلاة، يتوجه الكثيرون لزيارة المقابر، حاملين معهم نبتة الآس لوضعها على القبور.
وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، تظل روح الفرح والأمل حاضرة في قلوب الدمشقيين خلال أيام العيد، فإن الاهتمام الكبير بالتحضيرات المنزلية، وخاصة صناعة الحلويات، يشير إلى تقليد عميق الجذور في دمشق، حيث يعتبر إعداد هذه الأطعمة جزءًا مهمًا من الاحتفال بالعيد.
اقرأ أيضاً: عيد الفطر 2025 في سوريا: الجمل بليرة وما في ليرة
فن الترحيب: عادات ضيافة العيد في دمشق
تتميز ضيافة العيد في دمشق بتقاليد عريقة تجسد كرم أهل الشام وحسن استقبالهم للضيوف، وتتجلى مظاهر الضيافة بتبادل التهاني والزيارات بين الأهل والأقارب والأصدقاء.
ويحرص الصغار على زيارة الأكبر منهم في العائلة أولًا لتقديم التهاني وتلقي البركات، ويتم استقبال الضيوف بحفاوة وتقديم أطيب ما في المنزل.
وتعتبر الحلويات التقليدية والقهوة العربية من أساسيات الضيافة في العيد، وفي الماضي، كان يتم تحضير وجبات طعام فاخرة خصيصًا للعيد، إلا أن هذه العادة قد تكون أقل انتشارًا في الوقت الحالي، ويحرص أصحاب المنازل على تهيئة أجواء احتفالية ومريحة للضيوف.
كما أن دفع “الفطرة” قبل العيد يعتبر من العادات المرتبطة بالضيافة، حيث يهدف إلى تمكين الفقراء والمحتاجين من الاحتفال بالعيد.
ويشير الترابط الوثيق بين زيارات العائلات وتقديم الهدايا والحلويات إلى أن هذه المظاهر المادية تلعب دورًا مهمًا في التعبير عن مشاعر الود والمحبة وتعزيز الروابط الأسرية خلال العيد.
كما أن تقليد “تبييض” أول أيام العيد بطبخ أكلات باللبن يعكس ارتباطًا رمزيًا بين الطعام والاحتفال والقيم الثقافية في دمشق.
ومع ذلك، يكشف التباين بين مظاهر الضيافة الفخمة في الماضي والنهج الأكثر تواضعًا في الوقت الحاضر، نتيجة للظروف الاقتصادية، عن تأثير كبير لهذه الظروف على عادات الضيافة التقليدية في دمشق.
حلوة يا ضيافة: أكلات وحلويات العيد التقليدية في دمشق
تتنوع الأطعمة والحلويات التي تقدم في دمشق خلال عيدي الفطر والأضحى، ولكل عيد منها ما يميزه، ففي عيد الفطر، تحتل الحلويات مكانة بارزة في الضيافة.
ويعتبر المعمول بأنواعه المختلفة (بالتمر والفستق والجوز) من أهم رموز العيد، كما يحضر الكعك والغريبة والبرازق في معظم البيوت الدمشقية، وتتنوع الحلويات الأخرى التي قد تقدم للضيوف، مثل البقلاوة والهريسة والشعيبيات والنمورة.
أما في عيد الأضحى، فتتنوع الأطباق الرئيسية المقدمة، وتشتهر الشاكرية (لبن مطبوخ مع اللحم والأرز) كطبق رئيسي على مائدة العيد.
كما أن أكل “المعلاق” و”الشرحات” (أجزاء من الأضحية) يعتبر من العادات البارزة في هذا العيد، وقد يقدم طبق التسقية أو الفتة السورية في صباح يوم العيد.
وبالإضافة إلى الأطعمة والحلويات، تعتبر القهوة العربية من المشروبات الأساسية التي تقدم للضيوف في كلا العيدين، كما قد تقدم العصائر والمشروبات الباردة الأخرى، مثل الجلاب والتمر الهندي والليمون.
إن الانتشار الواسع وذكر المعمول بشكل متكرر في سياق عيد الفطر يؤكد على مكانته كرمز أساسي للضيافة في دمشق خلال هذا العيد، كما أن ذكر الشاكرية كطبق رئيسي لعيد الأضحى يسلط الضوء على الاختلاف في التقاليد الغذائية بين العيدين في دمشق.
ومع ذلك، فإن الاتجاه نحو بدائل أرخص مثل الفواكه أو المكسرات الأقل تكلفة في الحلويات، بسبب الضغوط الاقتصادية، يوضح كيف تتكيف تقاليد الضيافة في دمشق مع الظروف المالية المتاحة.
الحياة الاجتماعية والتجمعات العائلية في دمشق خلال العيد
تعتبر التجمعات العائلية من أهم مظاهر الاحتفال بالعيد في دمشق، ويحرص الأهل والأقارب على زيارة بعضهم البعض لتبادل التهاني وقضاء أوقات ممتعة سويًا.
وقد تقام بعض الفعاليات المجتمعية أو التجمعات في الساحات العامة والأزقة القديمة في دمشق خلال أيام العيد، كما أن للأطفال نصيبًا كبيرًا من فرحة العيد، حيث يخرجون للعب في الحدائق والمتنزهات ويتلقون العيديات من الأهل والأقارب.
وقد أثرت سنوات النزوح والهجرة على حجم وطبيعة هذه التجمعات العائلية، حيث اضطر الكثيرون للتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي بدلًا من الزيارات التقليدية.
إن التأكيد المتكرر على أهمية لم شمل العائلات خلال العيد في دمشق يبرز الدور الدائم للروابط الأسرية في الثقافة السورية، خاصة في المناسبات الاحتفالية.
كما أن مشاركة الأطفال في الأماكن العامة والألعاب خلال العيد تشير إلى أن هذه التجارب المشتركة تساهم بشكل كبير في خلق أجواء احتفالية مبهجة وتكوين ذكريات جميلة للصغار.
اقرأ أيضاً: منحة العيد ما بين الواقع المعيشي وآراء الاقتصاديين
تطور ضيافة العيد في دمشق في السنوات الأخيرة
شهدت ضيافة العيد في دمشق تغيرات ملحوظة في السنوات الأخيرة، خاصة بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة والظروف التي مرت بها البلاد، فقد تراجعت القدرة الشرائية للكثير من العائلات، مما أثر على قدرتهم على شراء الملابس الجديدة والحلويات والهدايا.
وقد لجأ البعض إلى تحضير الحلويات في المنزل أو تقديم وجبات أبسط للضيوف، وأصبحت الضيافة أكثر تواضعًا أو “خجولة” مقارنة بالسنوات الماضية، وعلى الرغم من ذلك، لا يزال الدمشقيون يتمسكون بروح التآخي والتواصل الاجتماعي خلال العيد، كما أن سنوات النزاع والتهجير أدت إلى تفرق العائلات واقتصار المعايدات في كثير من الأحيان على الرسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ومع ذلك، يظهر لدى سكان دمشق إصرار على الحفاظ على تقاليد العيد وممارسة الضيافة قدر المستطاع، مع التركيز على الجوانب الأساسية للاحتفال وتعزيز الروابط الاجتماعية.
آراء سكان دمشق حول ضيافة العيد
يعبر سكان دمشق عن تقديرهم العميق لأهمية ضيافة العيد وتقاليدها العريقة، ويؤكدون على الدور الاجتماعي والعاطفي لهذه العادات في تعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية.
ويشعر الكثيرون بالحنين إلى احتفالات العيد في الماضي ويتمنون عودة الأوقات الأكثر ازدهارًا، كما يعربون عن قلقهم بشأن تأثير التحديات الاقتصادية والاجتماعية الحالية على قدرتهم على الالتزام الكامل بهذه التقاليد.
ويعبر البعض عن إحباطهم بسبب ارتفاع الأسعار وعدم قدرتهم على شراء مستلزمات العيد كما كانوا يفعلون في السابق، ومع ذلك، يثمنون الجهود التي يبذلها الناس للحفاظ على روح العيد وممارسة الضيافة قدر الإمكان. ويأملون في تحسن الأوضاع وعودة الاحتفالات التقليدية الأكثر بهجة في المستقبل.
وتظهر المشاعر القوية التي يعبر عنها سكان دمشق تجاه تقاليد ضيافة العيد مدى ارتباط هذه العادات بهويتهم الثقافية وذاكرتهم الجماعية، مما يفسر الشعور بالأسى عندما تتعرض هذه التقاليد للخطر بسبب الظروف الخارجية.
كما أن القدرة على التكيف وإيجاد طرق للاحتفال رغم الصعوبات تؤكد على مرونة سكان دمشق والتزامهم بالحفاظ على ممارساتهم الثقافية في وجه التحديات.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التعبير عن الأمل في مستقبل أفضل وعودة الاحتفالات الأكثر ازدهارًا يشير إلى رغبة عميقة لدى سكان دمشق في استعادة كامل مظاهر تقاليد ضيافة العيد بمجرد تحسن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
القلب النابض لضيافة العيد في دمشق
في الختام، تتجلى مظاهر ضيافة العيد في دمشق كتقليد عريق يعكس قيم الكرم والتواصل الاجتماعي المتأصلة في ثقافة المدينة، وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها سوريا في السنوات الأخيرة، لا يزال سكان دمشق يتمسكون بعاداتهم وتقاليدهم في استقبال العيد والترحيب بالضيوف.
ولقد أثرت هذه التحديات على بعض جوانب الاحتفال، مما أدى إلى تبسيط مظاهر الضيافة في بعض الأحيان، إلا أن روح الفرح والتآخي والتواصل العائلي تظل حاضرة بقوة.
وتعكس آراء سكان دمشق مدى أهمية هذه التقاليد بالنسبة لهم ورغبتهم في الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال القادمة.
وتؤكد القدرة على التكيف والصمود في وجه الصعاب، مع الحفاظ على جوهر الاحتفال وقيم الضيافة، على المكانة الخاصة التي يحتلها العيد في قلوب الدمشقيين ودوره في الحفاظ على النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة.