في شباط الماضي، أعلن وزير النفط السوري غياث دياب عن بدء الإنتاج في بئر “تيأس 5” للغاز بريف حمص وسط البلاد، بطاقة إنتاجية تبلغ 130 ألف متر مكعب يومياً، مع ربط إنتاج البئر الجديد بالشبكة الغازية، بهدف دعم محطات توليد الطاقة الكهربائية.
ويُعتبر “تيأس 5” من الآبار الغازية الصغيرة نسبياً، والتي لا تلبي حاجة البلاد من المادة الحيوية لقطاعات مختلفة، وأهمها القطاع الكهربائي، الذي شهد خلال السنوات الماضية انهياراً كاملاً، حيث لا تتجاوز كمية الوصل الكهربائي في بعض المناطق السورية ساعة واحدة خلال اليوم بأكمله.
وبحسب إحصائيات رسمية تم الكشف عنها سابقاً، فإن الحرب ألحقت خسائر ضخمة بقطاع النفط والغاز في سوريا، حيث وصلت فاتورة الأضرار إلى نحو 74.2 مليار دولار أمريكي في العام 2020.
كميات ضخمة قبل الحرب
كانت سوريا تنتج 30 مليون متر مكعب من الغاز يومياً قبل 2011، لكن الكمية المُنتجة انخفضت إلى 10 ملايين متر مكعب يومياً خلال سنوات الحرب، وهو ما يقلّ بكثير عن احتياجات البلاد لتشغيل محطات الكهرباء البالغة 18 مليون متر مكعب يومياً.
ونتيجة للانخفاض القياسي في كميات الغاز المُنتجة، لجأت دمشق إلى الاستيراد خلال السنوات الماضية لتأمين 95% من احتياجاتها النفطية والغازية؛ وكان الخط “الائتماني الإيراني” هو شريان الحياة الوحيد لنظام الأسد لتأمين النفط والغاز خلال سنوات الحرب لسد احتياجات البلد الأساسية.
والخط “الائتماني الإيراني”، هو اتفاق تم توقيعه بين نظام الأسد وطهران، بهدف مدّ السوق السورية بالمشتقات النفطية بشكلٍ متواصل دون أن تدفع دمشق ثمن تلك الشحنات، بل يتم تسجيلها كديون على الحكومة السورية، حيث وصلت الفاتورة وفقاً لمصادر إيرانية إلى قرابة 30 مليار دولار أمريكي، وهذه الديون باتت محلّ إشكال حالياً بين الإدارة الجديدة في سوريا وإيران.
اقرأ أيضاً: دمشق تحت رحمة الأمبيرات.. تلوث بيئي وتكاليف ترهق كاهل الأسر
ما هي أبرز حقول الغاز في سوريا؟
يُعتبر حقل “الشاعر” أكبر حقول الغاز الطبيعي في سوريا، مع احتوائه على احتياطيات كبيرة، تُقدَّر -وفق معلومات غير رسمية- بنحو 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.
ويقع الحقل، في محافظة حمص، شمال غرب مدينة تدمر، ويحدّه من الشمال حقل جحار للغاز، وقد بدأت جهود استكشافه في ستينيات القرن الماضي، وطُوِّرَ ليصل حجم إنتاجه في عام 2010 إلى نحو 35 مليون متر مكعب سنوياً.
كما يُعدّ حقل جحار للغاز واحداً من أهم وأكبر 5 حقول نفط وغاز في سوريا، إذ اعتمدت عليه دمشق لسنوات طويلة في تلبية احتياجات البلاد من الطاقة، خاصّة ما يتعلّق بتوليد الكهرباء والصناعات المختلفة.
وبفضل موقعه الإستراتيجي، غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص، يُعدّ الحقل قريباً من شبكة خطوط الغاز السورية الوطنية، وهذه ميزة لا تتوافر في كثير من الحقول، كما أنه يُعدّ من الاكتشافات الحديثة، إذ يعود اكتشافه إلى العام 2001، ويُقدّر احتياطي الغاز في الحقل بنحو 25 مليار متر مكعب، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أنها قد تزيد إلى 30 ملياراً.
إضافة إلى حقلي الشاعر وجحار، يوجد في الريف الشمالي لمحافظة دير الزور معمل كونيكو للغاز، وهو أكبر معامل معالجة الغاز الطبيعي في سوريا، إضافة إلى أنه يُنتج 10 ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً، وهذه الكميات كانت مخصصة بالكامل قبل الحرب لمحطات الطاقة الكهربائية في البلاد.
اقرأ أيضاً: إسطوانة الغاز المنزلي بـ 125 ألف ليرة سورية ومدة استلام أقصر
خط الغاز العربي
قبل أسابيع، أعلنت دولة قطر عن مبادرة إنسانية لتوفير إمدادات من الغاز الطبيعي إلى سوريا عبر الأراضي الأردنية، للمساهمة بتوليد طاقة كهربائية بدءاً من 400 ميغاواط ورفعها تدريجياً.
وبحسب وكالة الأنباء القطرية فإن المبادرة المقدّمة من صندوق قطر للتنمية، تستهدف المساهمة في معالجة النقص الحادّ في إنتاج الكهرباء داخل سوريا، وتحسين أداء البنية التحتية في البلاد.
وعقب الإعلان القطري قال وزير الكهرباء السوري عمر شقروق إن الإمدادات القطرية من الغاز ستنتقل عبر الخط العربي الذي يمرّ من الأراضي الأردنية إلى سوريا.
و”الغاز العربي”، هو خط لتصدير الغاز الطبيعي المصري للمشرق العربي بطول 1200 كم، بدأت المرحلة الأولى منه بمد خط أنابيب بري بطول 248 كم وقطر 36 بوصة من العريش المصرية إلى خليج العقبة الأردني، إضافة إلى خط بحري من جنوب طابا المصرية إلى ميناء العقبة الأردني بطول 16 كم وعمق 850 متراً، وكانت هذه المرحلة في العام 2003.
أما المرحلة الثانية من المشروع فكانت عام 2005، بوصل العقبة و”رحاب” في الأردن بأنابيب بطول 390 كم، ثم المرحلة الثالثة بوصل خطوط “رحاب” الأردنية بمحطة “دير علي” السورية بطول 324 كم، ومن ثم يمتد الخط إلى حمص، ثم إلى محطة دير عمار في طرابلس اللبنانية بخطوط طولها طول 32 كم، وجرى ذلك عام 2009.
تم إيقاف العمل بالخط خلال الحرب، لكن عاد الحديث عنه قبل عامين لتأمين احتياجات لبنان من الغاز عن طريق سوريا، بهدف إنعاش المحطات الكهربائية في لبنان، لكن المشروع تبّخر بسبب الموقف الأمريكي الرافض لكسر قانون عقوبات “قيصر” على سوريا، حيث اعتبرت واشنطن أن نظام الأسد سيستفيد من هذا المشروع للحصول على المشتقات النفطية.
ورغم المنحة القطرية وتخفيف العقوبات جزئياً عن دمشق، فإن الحكومة السورية التي أبصرت النور مؤخراً ينتظرها تحديات كبيرة في قطاع الطاقة، خاصّة فيما يتعلّق بإزالة القيود الغربية على عودة الشركات الأجنبية للتنقيب عن النفط والغاز، واستثمار حقول الطاقة السورية، إضافة إلى التحدي الآخر الذي يقف بوجه الحكومة المتمثل بإعادة تأهيل وترميم حقول شرق الفرات بعد الاتفاق الأخير بين سلطة دمشق وقوات سوريا الديموقراطية، وهي مهمة شاقّة في ظل الأضرار الكبيرة التي لحقت بتلك الحقول خلال الحرب، فهل تنجح الحكومة الجديدة في إنعاش قطاع الغاز الطبيعي داخل سوريا في ظل التحديات الكبيرة الموجودة؟
اقرأ أيضاً: النفط السوري ينتظر الإنعاش والاستثمار!