ذكرت وكالة رويترز مؤخراً أن السلطات السورية الانتقالية أتمت صفقة لشراء القمح الطري المخصص لإنتاج الخبز، لأول مرة منذ توليها الحكم في كانون الأول 2024، بكمية تقترب من 100 ألف طن، وهي الكمية التي أعلنت سلطة دمشق حاجتها إليها في بداية آذار الجاري.
وبحسب رويترز، تُقدّر قيمة الصفقة بحوالي 260 مليون دولار، وهي تكفي حوالي 15 يوماً فقط، لأن سوريا تستهلك شهرياً 200 ألف طن من المادة، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول ملف القمح في البلاد وتأثره بالوضع السياسي والاقتصادي عقب سقوط نظام الأسد.
اكتفاء ذاتي
لأكثر من 20 عاماً، كانت سوريا الدولة العربية الوحيدة التي حققت اكتفاءً ذاتياً في القمح، ويوجد لديها فائض لتصديره، إضافة إلى امتلاكها أفضل بذور القمح على مستوى العالم.
منذ العام 1990 حتى عام 2011 حافظت سوريا على المساحة المزروعة بالقمح، وبلغت حينها نحو 1.6 مليون هكتار، وأبقت الإنتاج أعلى من الحاجة المحلية، واحتفظت بمخزون استراتيجي يكفي لعامَين لعامين، بمعدل إنتاج سنوي وصل إلى 4 ملايين طن.
في تلك الفترة، كانت سوريا تعتمد على سياسة دعم مركّزة لمحصول القمح، وبعض المحاصيل الأخرى مثل القطن والزيتون والحمضيات، حيث نجحت البلاد بتحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه المحاصيل وتصدير الكميات الإضافية منها.
وبحسب إحصائيات رسمية، بلغت مساحة زراعة القمح المروية 43%، ومساحة زراعة القمح البعلية التي تعتمد على الأمطار 57%، وكان أعلى إنتاج من المادة عام 2006 بمقدار 4.9 ملايين طن.
وانتهجت الحكومة السورية ساسية شراء كل محاصيل القمح من المزارعين، وكانت تشتري قبل عام 2011 كميات تصل إلى 2.5 مليون طن لتأمين حاجة السوق وتعزيز الاحتياطي، بينما يتم تصدير ما يقارب الـ 1.5 مليون طن.
اقرأ أيضاً: البيوت البلاستيكية.. ثروة مهملة في سوريا!
تدهور الإنتاج
خلال عامي 2010 و2011 عانت سوريا من الجفاف، ثم جاءت الحرب لترخي بظلالها على القطاع الزراعي في البلاد، وهو ما انعكس سلباً على محصول القمح، حيث تدهور الإنتاج بشكل كبير، واضطرت سوريا خلال عام 2012 إلى استيراد الطحين لأول مرة، بعد خرجت أكثر من نصف المناطق المنتجة للقمح في شمال وجنوب البلاد عن سيطرة نظام الأسد.
وأنتجت سوريا عام 2012 قرابة مليوني طن من القمح رغم تأثُّر مناطق الإنتاج الرئيسية بالحرب والأحوال الجوية السيئة، لكن عام 2013 كان الأسوأ منذ 30 عاماً، حيث زادت كمية القمح المستورد إلى 2.4 مليون طن، وفي عام 2014 حصدت سوريا أدنى محصول قمح، حيث وصل لأقل من مليون طن.
خلال السنوات اللاحقة، بدأ إنتاج القمح بالتحسن التدريجي، لكن دون القدرة على تأمين حاجة السوق المحلية، ففي عام 2017 وصل الإنتاج إلى مليون و850 ألف طن، ثم عاد عام 2018 للتراجع إلى مليون و200 ألف طن.
عام 2019، واجهت سوريا موجة حرائق غير مسبوقة أتت على 10% من حقول القمح في البلاد، وقدّرت المساحات المحترقة بأكثر من 80 ألف دونم في عموم البلاد، بعد أن كان متوقعاً وصول الإنتاج في ذلك العام إلى نحو 3 ملايين طن.
بعد ذلك، واصلت الحكومة السورية عمليات استيراد القمح من روسيا، حيث استوردت عام 2023 كميات بلغت 1.400 مليون طن من أجل سدّ الفجوة بين الإنتاج المحلي والحاجة الفعلية للاستهلاك.
اقرأ أيضاً: المياه المعدنية في سوريا.. من الكماليات إلى الضرورات
القمح بعد سقوط الأسد
أكد وزير الزراعة في الحكومة السورية الانتقالية محمد طه الأحمد، أن الإدارة الجديدة تعوّل على القمح الذي تنتجه المناطق الواقعة تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” لتلبية احتياج البلاد قبل اللجوء إلى الاستيراد.
وقال الأحمد: “أبواب التعاون مع قسد مفتوحة، فبدلًا من الاستيراد يمكن تسويق القمح المزروع لدى المزارعين في مناطق قسد”.
وأشار الأحمد إلى أن نسبة الاكتفاء في سوريا تقلّ عن 20%، إذ تحولت البلاد لاستيراد 200 ألف طن شهرياً من القمح بعد أن كانت تنتج كامل احتياجاتها.
وأضاف أن “الوزارة تخطط لزراعة مساحة تنتج ما يسد احتياج سوريا الذي يقدر بـ 350 ألف طن شهرياً”.
يقع مخزون سوريا الاستراتيجي من القمح في حقول شمال شرق البلاد الواقع تحت سيطرة “قسد”، لذلك فإن الاتفاق الأخير بين سلطة دمشق وقوات سوريا الديموقراطية يمكن أن يشكّل بارقة أمل لإنعاش الإنتاج في سوريا، إضافة إلى أن تخفيف العقوبات الاقتصادية عن دمشق وفتح باب الاستيراد سيسمح للحكومة السورية بتأمين حاجة السوق من المادة لحين إتمام الاتفاق مع “قسد”، فهل تنجح سوريا بإعادة مفهوم “الاكتفاء الذاتي” بإنتاج القمح في المستقبل القريب؟
اقرأ أيضاً: النفط السوري ينتظر الإنعاش والاستثمار!